الشيخ محمد الصادقي الطهراني

121

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

وعضله ، دون الإنفاقات المصلحية ، التي تزيد الأثرياء ثراءً في مختلف الشهوات والمبتغيات ، والفقراء المعدمين الذين لا ينفعونهم خواءً وبواءً . فالذي ينفق ماله بديلًا عما يرجوه من الفقير ، أو ينفقه رئاء الناس ، أو مناً أو أذىً أماذا من مصلحيات فاسدة كاسدة ، كان ما يفسده أكثر مما يصلح ، مزيداً على الترف للأغنياء ، والتلف للفقراء ، واللَّه منه براء . و « أموالهم » هنا لا تعني كل أموالهم ، بل هي مبينة في سائر القرآن بالقصد ، دون اسراف ولا تقتير ، وأكثرة العفو وهو الزائد عن الحاجة المتعودة ، خالية عن الإسراف والتبذير ، وأقله الإنفاقات الواجبة المستمرة ، كالضرائب المستقيمة ، وبينهما عوان من واجبات ومندوبات . وقد تعني « أموالهم » كل صنوف الأموال ، دون تحليق على كل مال عن بكرته ، تدليلًا على أن واجب الزكاة غير محصور في التسعة المعروفة ، بل هو شامل كل الأموال قصداً في انفاقها أو عفواً هو قمة القصد . وذلك الإنفاق الأديب الأريب هو الذي يرفع مشاعر الإنسانية ولا يشوبها ، حيث لا يمس كرامة الفقراء ولا يخدش شعورهم ، حيث ينبعث عن أريحية ونقاء ، ابتغاءَ مرضاة اللَّه . « الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَايُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنّاً وَلَا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ » « 1 » . هؤلاء الممثل لهم بذلك المثال البارع الأمثل ليسوا هم كل المنفقين أموالهم في سبيل اللَّه ، مهما كانت نياتهم خالصة للَّه ، بل هم « الذين ينفقون أموالهم في سبيل اللَّه ثم لا يتبعون ما انفقوا مناً ولا اذىً » فإن المنفَق لهم في سبيل اللَّه هم من سبل اللَّه ، فليُسلك لهم في الانفاق أسمى المسالك واصلحها ، وليس سبيل اللَّه إلا سبيل صالح السالك ، فإن اللَّه لا يوصَل إليه بسلوك سبيله ، ولا تصل إليه عائدة من إنفاق وسواه من الصالحات ، إذاً لا منَّ في سبيله إثقالًا بمال على أية حال ، ولا اي أذى آخر غير المن ، وأي تحميل أو تدجيل أو تذليل ، اللهم إلا انفاقاً بكل تبجيل وتجليل وكأن المنفَق عليه هو المنفِق ، وهو في الحق هكذا حيث الآخذ في الأصل هو اللَّه بسبعمائة ضعف لأقل تقدير ، ف « ألم يعلموا ان اللَّه هو يقبل التوبة ويأخذ الصدقات » « 2 » - « وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فان اللَّه يعلمه » « 3 » « وما أنفقتم من

--> ( 1 ) . 2 : 262 ( 2 ) . 9 : 104 ( 3 ) . 2 : 270